رصد تقرير لصحيفة "ذا ناشيونال" تزايد التوتر في القرن الأفريقي على حساب النزاع المائي بين مصر وإثيوبيا، مما جعل ما تعتبره القاهرة "قضية وجودية" مجرد خيط واحد في شبكة معقدة من التنافسات في المنطقة.
مع ذلك، نقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة على تفكير مصر، إن مساعيها الحثيثة للضغط على إثيوبيا لإبداء مرونة بشأن النزاع المستمر منذ 15 عامًا لم تتراجع، حيث وسعت القاهرة وجودها العسكري في القرن الأفريقي وأحبطت محاولات الدولة غير الساحلية للوصول إلى ساحل البحر الأحمر.
وتوصف مصر بأنها إحدى أكثر دول العالم جفافًا، وترى أن السد الكهرومائي العملاق الذي بنته إثيوبيا على نهر النيل سيقلل من حصتها من مياه النهر، مما يهدد ملايين الوظائف الزراعية وتوازنها الغذائي الهش.
ولم يؤثر سد النهضة الإثيوبي، الذي اكتمل بناؤه العام الماضي، حتى الآن على تدفق المياه إلى مصر الواقعة في اتجاه مجرى النهر، وذلك بفضل الأمطار الغزيرة التي هطلت على المرتفعات الإثيوبية، مصدر الرافد الرئيس لنهر النيل، النيل الأزرق.
لكن الصحيفة أشارت إلى أن القاهرة لا تزال تشعر بالقلق من أن إثيوبيا قد لا تسمح بتدفق كميات كافية من المياه إلى مصر، الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان والتي يبلغ عدد سكانها 110 ملايين نسمة، والسودان، حليفتها ودولة المصب، في حالة حدوث جفاف مستمر.
وأوضحت أن (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي استبعد اللجوء إلى العمل العسكري لحل النزاع، لكن حكومته تستعرض قوتها العسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن قبالة سواحل القرن الأفريقي، وتؤمن مرافق الموانئ والإمدادات لأسطولها الجنوبي في إريتريا والصومال وجيبوتي - وكلها دول مجاورة لإثيوبيا.
مصر تعمل على عزل إثيوبيا
سعت مصر أيضًا إلى عزل إثيوبيا عبر إبرام اتفاقيات تعاون عسكري مع دول أخرى في المنطقة. ونشرت قوة عسكرية كبيرة في الصومال، وحصلت على عقود أو منشآت بحرية لتطوير موانئ في المنطقة، بهدف المشاركة في إدارتها مستقبلاً.
وعلى مسار موازٍ، كانت تتطلع إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للوفاء بوعد قطعه في الأيام الأولى من ولايته الثانية بالتوسط في حل النزاع مع إثيوبيا، وهو أمر طغى عليه الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران.
لكن الخبراء يؤكدون أن النزاع المصري الإثيوبي تطور بعيدًا عن السد وتأثيره المحتمل على حصة مصر من المياه، ودخل في مرحلة أكثر تعقيدًا وأوسع نطاقًا من التوترات الإقليمية التي لديها القدرة على التحول إلى أعمال عدائية مفتوحة.
وقال محمد حجازي، دبلوماسي مصري متقاعد وخبير في سياسات النيل: "لقد خلق الوضع الحالي في القرن الأفريقي ظروفًا جديدة حيث أصبحت قضية السد، على الرغم من كونها قضية مركزية، مرتبطة بوضع جيوسياسي أوسع وأكثر أهمية".
وأوضح أن الصورة الأوسع لمنطقة القرن الأفريقي تشمل المخاطر التي تهدد حرية الملاحة والأمن في البحر الأحمر، وطموح إثيوبيا في الحصول على موطئ قدم عسكري وتجاري هناك، ومساعيها نحو منطقة أرض الصومال الانفصالية، حيث تريد منفذاً دائماً على البحر الأحمر.
ويشكل التوتر بين العدوين القديمين إريتريا وإثيوبيا طبقة أخرى، إلى جانب الحرب الأهلية في السودان، والتي ازداد احتمال جر دول المنطقة إليها بشكل كبير.
وتتهم الحكومة السودانية الموالية للجيش إثيوبيا بالفعل بدعم خصمها، قوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي بدورها تتهم مصر بدعم الجيش. كما تتهم الحكومة المدعومة من الجيش كينيا وفصائل في ليبيا بدعم قوات الدعم السريع.
ححازي: قضية المياه ينبغي أن تكون جزءًا من رؤية أوسع
قال حجازي: "يجب النظر إلى قضية المياه بما يتجاوز مجرد السد الإثيوبي. ينبغي أن تكون جزءًا من رؤية أوسع تتكامل فيها حماية البحر الأحمر والتوزيع العادل لمياه النيل".
وأوضحت الصحيفة أن كل هذا يترك مصر لتدافع عن نفسها ضد ما تعتبره تهديدًا وجوديًا يشكله سد إثيوبيا.
وبحسب المصادر، فإن تلميحات المسؤولين الإثيوبيين بأن بلادهم تخطط لبناء المزيد من السدود على النيل الأزرق زادت من قلق القاهرة.
وقالوا إن مصر لم يتبق لها خيار سوى محاولة الضغط على إثيوبيا بشكل أكبر، ومواصلة الضغط بقوة على الساحة الدولية والإقليمية ضد السماح لأديس أبابا بالحصول على موطئ قدم دائم على ساحل البحر الأحمر، وتخويفها بوجود عسكري متزايد في منطقة لطالما اعتبرت نفسها فيها القوة المهيمنة.
ولطالما سعت مصر إلى إبرام اتفاقية ملزمة قانونًا مع إثيوبيا، تُمكّن خبراءها وخبراء السودان من المشاركة الفعّالة مع أديس أبابا في تشغيل السد. كما دأبت على الدعوة إلى مستوى عالٍ من التعاون مع دول حوض النيل العشر في مجال توزيع مياه النيل ومشاريع التنمية المرتبطة به.
وأبدت إثيوبيا تحفظًا على مشاركة الدول الأجنبية في إدارة السد، في حين سعت لطمأنة مصر والسودان بأنهما لن تتأثرا. ورفضت التوقيع على اتفاقية بوساطة أمريكية بشأن السد خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب.
خيارات مصر تجاه إثيوبيا
وقال مايكل حنا، مدير البرنامج الأمريكي في مجموعة الأزمات الدولية: "تريد مصر الآن إثيوبيا إما أن تدخل في اتفاقية بشأن السد، أو تنهار داخليًا، أو تعاني من انهيار كارثي".
وأضاف: "من الصعب للغاية أن نرى كيف يمكن للولايات المتحدة أن تجبر إثيوبيا على اتخاذ موقف بشأن قضية السد في الوقت الحالي".
وأشار حنا إلى انشغال واشنطن بإيران، وتركيز ترامب على انتخابات التجديد النصفي في وقت لاحق من هذا العام، واحتمالية حدوث رد فعل قوي من قبل الداعمين الإقليميين لأديس أبابا.
وتابع: "إلى جانب ذلك، يشعر الكثير من الناس بالقلق من أن الوضع العام في القرن الأفريقي وإعادة تنظيم التحالفات هناك قد يؤدي إلى اندلاع الحرب مرة أخرى، ربما بين إثيوبيا وإريتريا".
وأردف: "لقد تركت تلك التحالفات الجديدة في القرن الأفريقي، التي أصبحت مصر جزءًا منها، بصمة على كل جزء من تلك المنطقة".
https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/07/14/egypts-water-dispute-with-ethiopia-complicated-by-rising-horn-of-africa-tension-experts-say/

